حَـــقُّ
الْــــجَـــارِ
كَانَ
الْفَقِيهُ أَبُو حَنِيفَةَ يَعِيشُ بِمَدِينَةِ الْكُوفَةَ، وَكَانَ لَهُ جَارٌ يَعْمَلُ
إِسْكَافِيًا (صَانِعًا لِلأَحْذِيَةِ) يَشْتَغِلُ طُوَالَ النَّهَارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ
اللَّيْلُ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَتَعَشَّى ثُمَّ يَبْدَأُ فِي الْغِنَاءِ بِصَوْتٍ
مُزْعِجٍ يُقَلِّقُهُ، وَيَسْتَاءُ مِنْهُ مَنْ يَسْمَعُهُ، بِأَغْنِيَةٍ وَاحِدَةٍ
لاَ يُغَيِّرُهَا حَتَى يَنَامَ.
وَكَانَ
أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ وَيَسْتَاءُ مِنْ غِنَاءِ جَارِهِ...
وَفِي إِحْدَى اللَّيَالِي لَمْ
يَسْمَعْ صَوْتَ جَارِهِ فَسَأَلَ عَنْهُ،
فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رِجَالَ الشُّرْطَةِ قَدْ قَبِضُواْ عَلَيْهِ وَحَبَسُوهُ...
فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ لِمُقَابَلَةِ وَالِي (حَاكِمُ) اَلْكُوفَةَ اَلَّذِي اسْتَقْبَلَ
أَبَا حَنِيفَةَ أَفْضَلَ اسْتِقْبَالٍ لِمَكَانَتِهِ الْكَبِيرَةِ فِي نَفْسِهِ،
وَسَأَلَهُ عَنْ حَاجَتِهِ، فَقَالَ الْفَقِيهُ الْكَبِيرُ؛ لِي جَارٌ يَعْمَلُ إِسْكَافِيًا
أَخَذَتْهُ الشُّرْطَةُ، وَنَرْجُو أَنْ تَأْمُرُوا بِإِطْلاَقِ سَرَاحِهِ... وَفِي
الْحَالِ اسْتَجَابَ الْوَالِي لِرَجَاءِ أَبِى حَنِيفَةَ.
وَخَرَجَ
أَبُو حَنِيفَةَ وَرَكِبَ دَابَتَهُ وَاْلإِسْكَافِي (جَارِهِ) يَسِيرُ وَرَاءَهُ،
فَلَمَّا وَصَلاَ إِلَى بَيْتِهِمَا نَزَلَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْتَفَتَ إِلَى جَارِهِ
اْلإِسْكَافِيّ وَسَأَلَهُ: هَلْ أَضَعْنَاكَا يَا رَجُلُ؟ قَالَ الرَّجُلُ : لاَ بَلْ حَافَظْتَ عَلَيْنَا،
وَرَعَيْتَ حَقُّ الْجِوَارِ... جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا يَا أَبَا حَنِيفَةَ.
وَمُنْذُ
ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَمْ يَعُدْ اَلرَّجُلُ إِلَى مَا كَانَ يَفْعَلُ، وَصَدَقَ الرَّسُولُ
اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) حَيْثُ قَالَ : "خَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ
تَعَالَى خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ".
No comments:
Post a Comment